في يوم من الأيام: النهاية
صعبة هي الحياة حينما تجعلك تشد الرحال بعيدا عن من تحبهم، وأنت تحمل أملا كبيرا يندثر بعد ذلك شيئا فشيئا في خيالك. فتجد نفسك وحيدا في مواجهة ريح عاتية تطيح بكل من يقف ضدها.
وكم كرهت إيمان تلك الغربة التي عاشتها لأسابيع قليلة في بلد كانت تحمل إليه طموحاتها وأحلامها وآمال أسرتها الصغيرة. فبنت منزلا صغيرا من وهمِ ثراءٍ يجعلها تعوض أمها المشلولة واخوتها الصغار، من حرمان عاشوا به منذ عرفوا في هاته الحياة اللعينة، أن القدر جعلهم أبناء رجل سكير لا يعرف من الدنيا إلا ثمالة الخمر وعربدة الأحضان.
أحست إيمان بشعور مختلف وهي تضع أقدامها في حيها القديم. ولم تستطع مغامرتها السيئة في لبنان أن تنقص من عزيمتها أو تجعلها تحني رأسها. فقد بدأت توزع الابتسامات هنا وهناك على أشخاص عرفت بعضهم وعرفها البعض الآخر.
وهناك في نفس المكان، كان حبيبها السابق واقفا ينظر إليها باشمئزاز. أحست إيمان بالخجل الكبير لنظراته لكنها لم تستطع تجنبها. اقترب منها رويدا رويدا ووقفت هي لحظة لتتأمل ما سيقول، فأحست برشات لعابه تتطاير فوق وجهها الجميل بعد أن بصق عليها قائلا: هذا ما تستحقينه...
وقفت إيمان جامدة من المفاجأة التي لم تكن تتوقعها، ولم تنبس ببنت شفة أو تتحرك، حتى لمحت أعينا متلصصة كانت تنتظر بشوق تتمة النزاع بين حبيبين هاجر أحدهما ليعمل في الدعارة ( حسب ما يقولون) وبقي الآخر يتسكع في المدينة باحثا عن عمل.
دخلت إيمان منزلها ودموع حارة صارخة تقودها. قبلت بقوة اخوتها الذين انهالوا عليها وعلى حقيبتها يبحثون عن هداياهم.وبعد أن أرضت ايمان اخوتها بقطع شوكولاط ادعت أنها اقتنتها من بيروت الشهيرة عوض أن تخبرهم بأنها اشترتها من مطار مراكش. توجهت بلهفة لتسلم على أمها المشلولة التي كانت باردة المشاعر هاته المرة.
وبعد هدأة قصيرة، اقتربت ايمان من والدتها وبدأت تحاورها وتحدثها عن ما مرت به من معاناة: عن حاتم وعصابته، وعن فتياته وملهى الألوان، وعن خطتها مع الجن العيساوي وخلاصها في النهاية بصورها الإباحية.
انتظرت الأم الصامتة ابنتها حتى انتهت من روايتها، فسألتها: وماذا بعد؟؟
-لا أعرف
-كان من الأفضل أن تبقي هناك، وتعملي مع الأستاذ حاتم.
-في الدعارة ؟؟؟؟!!!!!
-لا يهم... سيكون حالك أفضل من الآن، ولا أحد سيعرف ماذا ستعملين هناك رغم أنهم يقولون مسبقا أنك سافرت من أجل الدعارة. لكني صبرت واحتملت كلام الناس، لأني كنت أنتظر أموالك بفارغ الصبر، كي تسكت اخوتك الجوعى وتقفل أفواه القيل والقال الشريرة.
أيعجبك حالنا هكذا مع والدك السكير؟ كل البنات يطمحن أن يكون حظهن كالذي حالفك في لبنان. اتصلي بالأستاذ حاتم وأخبريه عن نيتك بالعودة. فالأفضل لنا جميعا أن تبيعي لحمك على أن نعيش هنا حياة فقيرة عفيفة.
أحست إيمان بالأرض تدور حولها وهي تسمع كلمات أمها، ولم تستطع أبدا أن تفهم ما قلته لها. لكن ومع إعادة الحديث عن الأمر مرات ومرات، وإصرار الأم على عمل ابنتها لدى الأستاذ حاتم، قررت ايمان ايجاد حل يرضي أمها وينهي كل هاته المشاكل...
وقفت إيمان أمام شارع الحديقة العمومية، خلعت معطفها وأبرزت مفاتنها. وبدأت تتمشى جيئة وذهابا، قبل أن تتوقف سيارة رباعية سوداء أمامها، ويطل من نافذتها رجل في الخمسينيات من عمره.
حدث إيمان قائلا: إذا كنت تائهة فبإمكاني مساعدتك عزيزتي..
ابتسمت إيمان في صمت مؤلم، وفتحت باب السيارة لتركب بجانب الرجل المجهول، وتبدأ حكايتها مع مصير مجهول...
النهاية