لمن سأهدي الورود؟ (3)
تذكير: لمعرفة بداية قصتي مع الورود، المرجو الإطلاع على هاته التدوينة:
صباح الخير،
تأخرت في توزيع الورود، أليس كذلك؟؟
في ذلك الوقت، كنت ساخطة على الوضع وعلى الناس. وتمنيت لو أني وزعت علقما أو رصاصا( كما فعل هيبو) على بني البشر حتى ترتاح الكرة الأرضية من أشر مخلوقاتها. لم تكن لي رغبة أبدا في توزيع الورود، أو حتى الابتسام. ورغم ذلك كنت أبتسم، فأقول مع نفسي أن على هاته الأرض الشريرة، وفي هاته الدنيا الحقيرة، هناك حقا من يستحق الورود.
لذا سأهدي الورود..
في طريقي اليومي، كنت أمر بسوق الورود دوما. وكانت رائحتها الزكية وألوانها المتنوعة تغريني دوما بالوقوف أمامها. كم هي جميلة هاته المخلوقات المميزة بتويجاتها الصغيرة التي قد تدخل الابتسام لروح بائسة. فقط شكلها ولونها يستطيعان قلب المشاعر في دواخلنا.. فكرت وأنا أراها وقلت: حسنا سأوزع الورود.
في ذلك الصباح الباكر، اقتنيت ثلاث وردات بلون الحليب وتوجهت لمحطة التاكسيات. وفي طريقي وجدت ذلك الشاب واقفا كما عادته يحاول بيع مناديل الكلينيكس. تعودت مسبقا على رؤية منظر زملائه أمام قبة البرلمان يطالبون بحقهم في التشغيل باعتبارهم أطرا عليا معطلة. ورغم أني كنت أرفض ما يفعلونه أحيانا إلا أن منظر ذلك الرجل قد جعلني أقف أمامه وأقدم له وردة بيضاء بابتسامة لم يستطع ذلك الشاب الكفيف رؤيتها.
- أنا أبيع ولا أشتري.. خذي وردتك!!
أجبته ببسمة أكبر:
- أنا مجرد فتاة توزع الورود بالمجان.
ضحك ضحكة كبيرة ثم قال:
- وأنا أرحب بوردتك آنستي، جزاك الله خيرا.. ثم أردف: هل تحتاجين كلينيكس بالمقابل؟؟
ضحكت بالمثل وقلت:
- قلت أنها بالمجان وبدون مقابل. متمنياتي أن تكون كل أيامك جميلة كالورود، مع السلامة
ثم ابتعدت قليلا عنه، قبل أن يقنعني فضولي باستراق النظر لمعرفة ماسيفعله. وبكل بساطة وضع الوردة تحت قبعته بابتسامة كبيرة، وعاد للمناداة من أجل محاولة بيع مناديله الورقية.
قررت تغيير الوجهة نحو محطة الحافلات من أجل تسريع الوقت خصوصا أن موعد دوامي قد اقترب، لكن أملي قد خاب بعد أن انتظرت حافلتي الملعونة لمدة ربع ساعة قبل أن تأتي بسرعة مدهشة ويقرر سائقها عدم الوقوف في محطتي. لعنت حظي ومعه الوقت الذي عاندني، وقررت ركوب تاكسي صغير ليوصلني لوجهتي مباشرة بعد تضييع وقتي في انتظار الحافلة الهاربة.
وكذلك كان..
ركبت مع أحد السائقين الرائعين، كان عمره في حدود الأربعين وكان جد نشيط. لم يكتفي من الحديث عن كل شيء وبلغات العالم. أخبرني أنه يتكلم الفرنسية بطلاقة وحدثني أيضا بإنجليزيته الركيكة قبل أن يطلق على مسامعي عدة كلمات هندية وأخرى اسبانية. أعجبتني رفقته وآلمني بطني من كثرة الضحك.. سألني عن ورودي فأخبرته عن قصتي وقدمت له وردة معها.
ضحك كثيرا لفكرتي وأخبرني أن الورود لا قيمة لها في وقتنا هذا، لكنه سيحمل وردته في طاكسيه، وسيعرف كل زبائنه بقصتي مع الورود.
ضحكت أيضا لكلماته وودعته بعد الوصول لوجهتي شاكرة إياه على الوقت القصير المميز الذي قدمه لي.
دخلت ذلك المستوصف مبتسمة سريعة، قبل أن توقفني (الحاجة) إحدى الممرضات هناك، سلمت عليها وسألتها عن أحوالها وهي أيضا بالمثل. أخبرتني أن طبيبي لم يأت بعد ( كعادته) وأن الوقت مازال مبكرا على قدومه. لعنت في قرارة نفسي ساعتي والطبيب والدراهم التي أضعتها بغية اختصار المسافات والزمن. لكن نفسي كانت سعيدة بهذا الصباح المميز والذي مازلت أحتفظ بآخر ورداته بين يدي.
بدأت الحاجة تنظر لوردتي بإستغراب فقدمتها لها بإبتسامة قائلة: أجمل وردة لأجمل حاجة في المستوصف..فرحت كثيرا وأمطرتني بوابل من الدعوات. كانت هدية بسيطة لسيدة توزع الابتسامات وتتعامل بشرف واحترام مع كل المرضى والأطباء هناك.. أحسست بعد دعواتها بسعادة غامرة جعلتني أفكر بجد في توزيع بقية ورداتي العشر في أقرب وقت ممكن..
يتبع
.png)


, كتب في